أبي حيان الأندلسي
666
البحر المحيط في التفسير
غارس حبة ، أو : مثل نفقتهم كحبة ، أو : مثل المنفقين ونفقتهم كمثل حبة وغارسها . وجوّزوا في : ابتغاء أن يكون مصدرا في موضع الحال . أي : مبتغين ، وأن يكون مفعولا من أجله ، وكذلك : وتثبيتا . قال ابن عطية : ولا يصح أن يكون ابتغاء مفعولا من أجله ، لعطف ، وتثبيتا عليه ، ولا يصح في : وتثبيتا أنه مفعول من أجله ، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت . وقال مكي في ( المشكل ) : كلاهما مفعول من أجله ، وهو مردود بما بيناه . انتهى كلامه . وتثبيت ، مصدر : ثبت ، وهو متعد ، ويحتمل أن يكون المفعول محذوفا تقديره الثواب من اللّه تعالى ، أي : وتثبيتا وتحصيلا من أنفسهم الثواب على تلك النفقة ، فيكون إذ ذاك تثبيت الثواب وتحصيله من اللّه حاملا على الإنفاق في سبيل اللّه . ومن قدر المفعول غير ذلك أي : وتثبيتا من أنفسهم أعمالهم بإخلاص النية ، وجعله من أنفسهم على أن تكون : من ، بمعنى : اللام ، أي : لأنفسهم ، كما تقول : فعلت ذلك كسرا من شهوتي ، أي : لشهوتي ، فلا يتضح فيه أن ينتصب على المفعول له . قال الشعبي ، وقتادة ، والسّدي ، وأبو صالح ، وابن زيد : معناه وتيقنا ، أي : إن نفوسهم لها بصائر متأكدة ، فهي تثبتهم على الإنفاق . ويؤكده قراءة من قرأ : أو تبيينا من أنفسهم ، وقال قتادة أيضا : واحتسابا من أنفسهم . وقال الشعبي أيضا والضحاك ، والكلبي : وتصديقا ، أي : يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم . وقال ابن جبير ، وأبو مالك : تحقيقا في دينهم . وقال ابن كيسان : إخلاصا وتوطيدا لأنفسهم على طاعة اللّه في نفقاتهم . وقال الزجاج : ومقرين حين ينفقون أنها مما يثيب اللّه عليها . وقال الشعبي أيضا : عزما . وقال يمان أيضا : بصيرة . وقال مجاهد ، والحسن : معناه أنهم يثبتون ، أي يضعون صدقاتهم . قال الحسن : كان الرجل إذا هم بصدقة يتثبت ، فإن كان ذلك للّه أمضاه ، وإن خالطه شك أمسك . وقد أجاز بعض المصريين أن يكون قوله : وتثبيتا . بمعنى : تثبتا ، فيكون لازما . قال : والمصادر قد تختلف ، ويقع بعضها موقع بعض ، ومنه قوله : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا « 1 » أي تبتلا وردّ هذا القول بأن ذلك لا يكون بالفعل المتقدّم على المصدر نحو الآية ، أما أن يأتي بالمصدر من غير بنائه على فعل مذكور فلا يحمل على غير فعله الذي له في الأصل ،
--> ( 1 ) سورة المزمل : 73 / 8 .